الجصاص
288
أحكام القرآن
سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فصلاها بعد طلوع الشمس وقال : " إن الله تعالى يقول : ( أقم الصلاة لذكري ) " . وروى همام بن يحيى عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " وتلا : ( أقم الصلاة لذكري ) . وهذا يدل على أن قوله : ( أقم الصلاة لذكري ) قد أريد به فعل الصلاة المتروكة ، وكون ذلك مرادا بالآية لا ينفي أن تكون المعاني التي تأولها عليها الآخرون مرادة أيضا ، إذ هي غير متنافية ، فكأنه قال : أقم الصلاة إذا ذكرت الصلاة المنسية لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم لأن أذكرك بالثناء والمدح ، فيكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية . وهذا الذي ورد به الأثر من إيجاب قضاء الصلاة المنسية عند الذكر لا خلاف بين الفقهاء فيه ، وقد روي عن بعض السلف فيه قول شاذ ليس العمل عليه ، فروى إسرائيل عن جابر عن أبي بكر بن أبي موسى عن سعد قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها وليصل مثلها من الغد " . وروى الجريري ( 1 ) عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب قال : إذا فاتت الرجل الصلاة صلاها من الغد لوقتها ، فذكرت ذلك لأبي سعيد فقال : صلها إذا ذكرتها . وهذان القولان شاذان ، وهما مع ذلك خلاف ما ورد به الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره بقضاء الفائتة عند الذكر من غير فعل صلاة أخرى غيرها . وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( أقم الصلاة لذكري ) عقيب ذكر الفائتة وبعد قوله : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " يوجب أن يكون مراد الآية قضاء الفائتة عند الذكر ، وذلك يقتضي الترتيب في الفوائت ، لأنه إذا كان مأمورا بفعل الفائتة عند الذكر وكان ذلك في وقت صلاة فهو منهي لا محالة عن فعل صلاة الوقت في تلك الحال ، فأوجب ذلك فساد صلاة الوقت إن قدمها على الفائتة لأن النهي يقتضي الفساد حتى تقوم الدلالة على غيره . وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال أصحابنا : " الترتيب بين الفوائت وبين صلاة الوقت واجب في اليوم والليلة وما دونهما إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت ، فإن زاد على اليوم والليلة لم يجب الترتيب " ، والنسيان يسقط الترتيب عندهم ، أعني نسيان الصلاة الفائتة . وقال مالك بن أنس بوجوب الترتيب وإن نسي الفائتة ، إلا أنه يقول : " إن كانت الفوائت كثيرة بدأ بصلاة الوقت ثم صلى ما كان نسي ، وإن كانت الفوائت خمسا ثم ذكرهن قبل صلاة الصبح صلاهن قبل الصبح وإن فات وقت الصبح ، وإن صلى الصبح ثم ذكر صلوات صلى ما نسي ، فإذا فرغ أعاد الصبح ما دام في الوقت
--> ( 1 ) قوله : " الجريري " بضم الجيم وبالمهملتين هو سعيد بن إياس ، كذا في خلاصة تهذيب الكمال ( لمصلحة ) .